الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي
34
محجة العلماء في الأدلة العقلية
بصيرة له بأحوال الفقهاء رضوان اللّه عليهم صدر منه ما لا يليق الّا به ولعلّنا نذكر شطرا من ذلك فهل يعذر القاطع بالبراءة إذا كان قطعه حاصلا من دليل عقلىّ أو يتنجز عليه التكليف لو قطع بثبوته لا اشكال في ان العلم علة تامة للتنجّز ولا يعقل نفى هذا الأثر عنه فلا يمكن التفصيل في اقسامه من حيث الأسباب من هذه الحيثيّة واما الجهل المركّب وهو القطع بالبراءة مع ثبوت التكليف فانّما يكون عذر الغير المقصّر والذي يظهر من الاخبار عدم جواز الاستبداد باستنباط الاحكام بالاجتهاد وبذل الوسع في مراجعة المناطات على ما هو دأب المخالفين فلا يعذر هذا الجاهل لتقصيره في تحصيل هذا الاعتقاد ويستفاد هذا من الأخبار الواردة في الطعن على أهل الخلاف في الاستبداد في الاستنباط بادائهم الفاسدة وانظارهم القاصرة مع أن رواية أبان المشار إليها دلالتها على ذلك في غاية الوضوح فان أبان كان قاطعا بفساد الحكم وحكم ان الذي جاء به شيطان استنادا إلى القياس بالاولويّة القطعيّة وحيث قال متعجّبا سبحان اللّه يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون ويقطع أربعا فيكون عليه عشرون أجاب الامام عليه السّلام بان الاولويّة وان كانت قطعيّة ولكنه قياس والسّنة إذا قيست محق الدين هذا حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم المرأة تعاقل الرّجل إلى ثلث الدّية فإذا بلغ الثلث رجع إلى النصف فمحصّل الجواب ان دين اللّه لا يصاب بالعقول فلم يناقش في تماميّة قياسه ولهذا قال عليه السّلام مهلا يا أبان انك اخذتنى بالقياس فهو ردعه عن الاعتماد على الدّليل والمسارعة إلى الاعتماد على ما بدا له حيث إنه محق للدّين لقصور العقل عن الإحاطة بمناطات الاحكام والحاصل انه لا يعقل ان يقوم دليل على الحكم الشرعىّ اظهر من هذا الدليل ومع ذلك فالاعتماد عليه محق للدّين للتخلف وعدم الإصابة وعدم معذورية الشخص في الاعتماد على رايه على تقدير التخلف واضح بعد التنبّه لما نبّه عليه صاحب الشرع واما أبان فقد كان غافلا عن هذا المعنى وحصل له القطع بمجرّد السّماع كما يحصل لكل أحد قبل ما يلتفت إلى ما في هذه الرّواية وكلمة مهلا يستعمل في مقام الشفقة واظهار الحبّ كما في قوله ( أفاطم مهلا بعض ) الخ فهو زجر على سبيل الارفاق وغاية الملاطفة كما في ذكر ناقوس ( يا ابن الدنيا مهلا مهلا ) وتوهّم انه توبيخ من الغرائب لعدم دلالتها على ذلك لا لغة ولا عرفا بل لا يجوز استعمالها في هذا المعنى لعدم العلاقة ولا في مقام الإهانة لعدم المناسبة مع أن التوبيخ لا يجوز الّا مع التقصير والعصيان ومثله اجل من ذلك فقد قال عليه السّلام في حقه اجلس في مسجد المدينة وافت الناس فانى احبّ ان يرى في شيعتي مثلك واما التوبيخ مع القصور فهو ينافي العصمة ومما حققناه ظهر ان المستفاد من هذه الرّواية وغيرها كما ورد في حق أبى حنيفة وقتادة انما هو عدم المعذوريّة على تقدير مخالفة الرّأي للواقع لا ان نفس امعان النظر في المقدّمات العقليّة من المحرّمات الذّاتية بل المستفاد من هذه الرّواية خاصة ليس الّا الارشاد إلى أن العقل لا يحيط بجهات الاحكام وان القياس ليس مما يسلك به إلى الواقع وبعد هذا التنبيه فلا عذر لمن ركن اليه واعتمد